تأملات في غياب المباهج.

 

7nQuJRFWOeLYPKIFXV9Toq_l_R4.jpg

 

غرابة البقاء في المدينة المشعة بلوحات المحلات التجارية:

مزدحمة، مزدحمة وخانقة. الكتف بالكتف، أنفاس الرجل الذي أكل في الصباح صحن فول وبصل أخضر في أنفك، كرشٌ متهدلة لرجل ضئيل بقميص متعرق يلتصق بظهرك، ورجل أسود متعب يميزه شارب صلب، دخان كثيف ينبعث ورائحة احتراق أحشاء حيوان بري. مصعد متعطل حُشرت به امرأة – تعاني من رهاب القطط – وسائقها وابنها الذي يصرخ، وأربع حقائب كبيرة للسفر، وخادمة أثيوبية قوية البنية وغير مبالية، بكت المرأة وتمددت يائسة في أرضية المصعد. تمددت في المصعد الذي ينتظره في الدور البعيد في الأعلى – الدور السابع والتسعون – ثلاثة عشر عاملاً بنغاليا من عمال شركة نظافة يعمل بها رجل أكل صحن فول وبصل أخضر يقرب فمه من أنفك. مزدحمة، مزدحمة وغريبة. لوحات إعلانية لا نهائية، في المطبخ الذي به رائحة احتراق أحشاء حيوان، في غرفة النوم، في بركة الماء لوحات أيضاً، في الغالب يضعون بها إعلانات عن صيانة تمديدات المياه، إعلانات في مصلى النساء، في حفرة تغيير الزيت رأيت لوحة، لوحات محلات تجارية تتكدس فوق بعضها مثل تل من جماجم ثيران البيسون، ابتداء من محلات الماركات الباريسية وحتى الدكاكين المحلية في الأزقة التي يديرها عمال بإقامات منتهية. المطعم الذي لا يتسع إلا لأربعة أشخاص يتكدس به مئات الزبائن، يبيع شرائح لحم بقري متبلة ببهارات تصنعها امرأة نيجيرية تشتكي من آلام الظهر. الرجل الأسود الذي يقطع اللحم البقري في المطعم يمسح عرقه الآن ويرد   استمر في القراءة “تأملات في غياب المباهج.”

Advertisements

كوابيس صحفي أراد كتابة قصة قصيرة عن معركة المزرعة الصينية.

large-192716147227365640

.

.

– في تلك الليلة التي ترك فيها نافذة الغرفة مفتوحة، في تلك الليلة التي كان فيها الهواء الصيفي يحرك الستارة، في تلك الليلة تحديداً حلم حلماً غريبا، وليست الغرابة في مضمون الحلم، كلا.. كلا. لكن الغرابة في أن الحلم يسبب له الكآبه رغم أنه لا يتذكره بوضوح حينما يفيق. في تلك الليلة حلم بنفسه جالساً داخل خندق على الجبهة شرق القناة بعد عبور خط بارليف، كان يرتدي زياً عسكرياً متواضعاً ومتقلداً بندقية قديمة، يجلس بجواره مجند ليس لجسمه كتلة واضحة. كان المجند يسأل كثيراً ويدخن، ويستمع بمذياع خشبي صغير لإذاعة الاحتلال الإسرائيلي.
قال المجند: أنت ستموت أيضا، لكن ليس في فراشك بل في معارك المزرعة الصينية. دخن سيجارة كاملة بصمت ثم قال وهو يشير إلى كتفه: سوف يصيبك ضابط من كتيبة المظلية بنيارنه، ربما كان اسمه شاؤول، وقلد صوت اندفاع الطلقات.
قال له وهوغير مصدق: لا يهم.
أخرج المجند من محفظته صورة فوتوغرافية لفتاة خجولة تقف في حقل برتقال: هذه ابنتي حبيبة، سوف تتزوجها إن أردت، وضحك.
أعادها له بصمت.
قال المجند: أنا لا أريد الحرب، لكن ماذا نفعل وهؤلاء الأمريكان يحتلون أرضنا.
قال له: ليسوا أمريكان.
قال المجند بغضب: لا يهم، أنا لا أخشاهم. ومد يده وهو يرفع أربعة أصابع: لقد سحقنا لهم ثلاثة ألوية مدرعة ولواء مشاة. صمت وبعد وقت قال: لو سارت الأمور على هذا النحو لكنا انتصرنا يا أخي. ثم صمت طويلاً
قال له: هل تأكل؟ ومد له كسرة خبز رطبة.
رد المجند: لا. أريد أن أتبول، ثم أضاف منفعلاً: أنت تحلم الآن بينما أنا هنا أقاتل الأمريكان يا أخي.
حينما أفيق في الساعة الثامنة أو السابعة من حلم مزعج – ولا أدري تحديداً ما المزعج فيه – أشعر بالكآبة، ليس لأنه حلم مزعج، لكن لأني أشعر بالمسؤولية تجاه شيء ما لا أدري ماهو. دارت في نفسي وأنا أعتدل لأجلس على حافة السرير رغبة العودة للنوم. كانت المثانة تزعجني، قمت لأتبول. وفكرت في أن المثانة منبة جيد. كان أبي جالساً على الكنبة يتباع التلفاز بتركيز، ثرثرة عن الوضع الإقتصادي. من المطبخ انبعث صوت الطاحونة الكهربائية. لما عدت لسريري مددت يدي على علبة السجائر، أردت أن أدخن سيجارة واحدة ثم أكمل نومي، لكن الولاعة لم تعمل. قمت لموقد الغاز في المطبخ، الزرقة في نار الموقد مريحة، وقفت قليلاً أراقبها بصمت وأدخن. قالت أمي أني أزعجها بهذا الدخان، ثم طلبت مني أن أغسل وجهي وأستعد للأكل وأن أذهب لأدخن في البلكونة. أبي من مكانه شاركنا بصوت جهوري وقال لأمي أن أبنك هذا لا يفعل شيئا في حياته سوى النوم. أطفأت نار الموقد وعدت للسرير. في شاشة الجوال كانت الساعة أقتربت من الثامنة. لم أجد الطفاية بالقرب، فأطفأت السيجارة بحافة السرير الخشبية ورميت العقب خلف الكومودينو. تمددت وأغلقت عيني، قلقت قليلاً من الحلم الذي لا أتذكره بوضوح، لكن أتذكره بشكل عام. ورجوت في نفسي ألا أرى أي حلم. يمر وقت النوم دون إدراك، أو على الأقل شاشة سوداء ليس لها معنى. استمر في القراءة “كوابيس صحفي أراد كتابة قصة قصيرة عن معركة المزرعة الصينية.”

ألغورثمية لملاحقة عازف هارمونيكا سيء

 

 

 

 

Ursula copy

 

 

ألغورثمية لملاحقة عازف هارمونيكا سيء

 

لكل كائن حي نمط. كل ما علينا فعله هو مراقبته بما يكفي دون أن يعلم لكي تتكشف لنا عاداته. نعرف الآن الكثير عن هجرة النوارس و مايغير مسارها، مواسم التزاوج لدى الدلافين و ما يؤثر عليها، و طبائع وحيد القرن و ما يصيبها بالاضطراب، ما يكفي لنعرف أن لكل كائن حي نمط متكرر و استجابات محدودة للمتغيرات، حتى الإنسان. أهم شيء، أن يكون غافلا عن المراقبة ليركن لعاداته و استجاباته العفوية. مبدأ الارتياب لهاينزبرغ أكثر صلة بعالمنا من عالم ميكانيكا الكم، فالراصد له أثر على حركة المرصود، و حينها لا يمكننا التيقن بمكانه، و يكون واردا من دون ارتياب أن يكون في مكانين في آن.

استمر في القراءة “ألغورثمية لملاحقة عازف هارمونيكا سيء”

غير قابل للإصلاح.

d9fb53ed-d3aa-4842-b064-8ab0dbfd87a1

 

 

غير قابل للإصلاح.

مهدي عبده / @mahdiabdu

 

لا شيء يحدث للوهلة الأولى، الأمور مثالية حتماً، إلى أن يتكلم الرجل ويقول: إن الصمت مزعج، علينا أن نقول أي شيء ويسكت، ثم يقول كلاماً عن الدمى التي تدور، وكيف أن مثالية دورانها مستفزة جداً. يقول أن كل شيء حينما يصبح مثالياً إلى حد معين يصبح فارغاً بلا روح.

استمر في القراءة “غير قابل للإصلاح.”

قلادة خديجة.

 

 

قصة قص

لماذا أنشر للقاصة خديجة النمر ؟

بغض النظر عن تقديري لموهبتها وقدرتها الفنية، خديجة من القليلات اللاتي كتبن السرد بتصور إنساني خارج التصور الأيديولوجي النسوي الرومنسي التافه، الذي يستخدم الفن لحاجات نفسية / أيديولوجية وبهذا ينزع عن الفن جماليته الفنية المقدسة.

استمر في القراءة “قلادة خديجة.”

الحملة الانتخابية للسيد هامبتون.

 

الحملة الإنتخابية

الحملة الانتخابية للسيد هامبتون.

قصة قصيرة للدكتور طارق الجارد

في معرض الدعاية السياسية، يمكن توجيه أي تهمة للسيد كارنهان، إلا تهمة الكسل السياسي. فحاكم ولاية ميسوري أفنى عمره، بالمعنى الحرفي للكلمة، من أجل حملته الانتخابية. يمكن القول إن ماكينته الدعائية قادت أكثر الحملات الترشحية انضباطا و خلوا من الأعطاب. ما عدا العطب الذي أصاب أحد محركي طائرته السيسنا في طريقها إلى سانت لويس، لخوض مناظرة سياسية ضد خصمه: آشكروفت. و هكذا، في السادس عشر من أكتوبر لعام ألفين، و بيوم واحد قبل المناظرة المرتقبة، مات ميل كارنهان. ثلاثة أسابيع بعد موته، فاز كارنهان بمقعد ولاية ميسوري في مجلس الشيوخ!
السؤال الساخر الذي تم تداوله: أي قاع من الانحطاط السياسي ينبغي أن تصله؛ كي تخسر أمام رجل ميت؟. و أي حالة من البلادة تصل له الآلة البيروقراطية لتبقي على اسم مرشح انتخابي ميت على لائحة الانتخابات؟.
إلا أن السؤال الذي لم يطرحه أحد بصدق: لماذا لم يجد ناخبي ميسوري أحدا لتمثيلهم سوى رجل ميت؟. ربما لو تم طرح هذا السؤال حينها، لوصل الناس لإجابات تجنبهم اشتعال فيرقسون أربعة عشر عاما بعد ذاك التاريخ.

استمر في القراءة “الحملة الانتخابية للسيد هامبتون.”

الرسالة الأيديولوجية في الفرويدية.

الرسالة الفرويدية

‘‘ إن ماهية الإنسان أبعد من أن تكون تجريداً خالصا للفرد، بل هي بالفعل حصيلة كل العلاقات الإجتماعية ‘‘  كارل ماركس.

 


الرسالة الأيديولوجية في الفرويدية.

فصل من كتاب ‘‘ الفرويدية ‘‘ لـميخائيل باختين  ترجمة: شكير نصر الدين.

 

ماهي إذن الرسالة الأيديولوجية للفرويدية؟

ذلك أن مصيرنا والمحتوى الكلي لحياتنا ولأعمالنا ( الفن، إذا كان المرء فنانا، النظريات العلمية إذا كان عالما، البرامج والأعمال السياسية إذا كان رجل سياسية ) كل ذلك يحدد تماما بواسطة بدائل غريزتنا الجنسية، وبها فحسب، أما الباقي فهو ليس سوى تناغمات القدرة، تناغمات اللحن العميق للغرائز الجنسية. وعندما يقترح علينا شعورنا حوافز أخرى، وموارد أخرى لحياتنا ولأفعالنا، فهو يكذب. إلى حد أن تطوير الفكرة العميقة عند فرويد تقترن دوما بنقد للشعور. ومن ثم، مايهم ليس هو مايخصص لنا مكانا ودورا في التاريخ (الإنتماء إلى طبقة، إلى أمة، إلى عصر) وإنما جِنسُنا وسننا وكل ما تبقى ليس سوى بنية فوقية. إن شعورنا لم يعد تابعا لكينونتنا التاريخية، بل لكينونتنا البيولوجية، المحددة أساسا بجنسيتنا.

تلكم هي الرسالة الأيديولوجية للفرويدية. إذا اعتبرناها في صيغتها العامة، فهي ليست جديدة ولا مبتكرة. وإنما هي كذلك بفضل ما تجنيه من مكوناتها أي من مفهومي الجنس والسن، والحقيقة أن فرويد اكتشف بذلك عالما شديد الغنى والتنوع من حيث السمات والفروق الجديدة، لم يسبق لأي عالم أن درسها قبله، وذلك بسبب النفاق البشع الذي يظهره العلم الرسمي تجاه كل ما يتعلق بحياتنا الجنسية. لقد وسّع فرويد وأغنى بشكل كبير مفهوم الجنسية  حيث إن التمثلات المتداولة والمقرونة عادة بهذا المفهوم أصبحت تبدو بعده مثل ركن صغير من حيزه الشاسع، وهذا يجعل أيضاً من كل حكم على التحليل النفسي ضرورة أخذ هذه الحقيقة في الحسبان، وكذلك مثلاً قبل مؤاخذته، كما جرت العادة، عن نزعته الجنسية الكلية، من الأجدر تذكر المعنى الجديد، المضخم إلى أقصى حد، الذي اتخذته عن فرويد كلمة ‘‘ جنسي ‘‘.
كما أن التحليل النفسي قام بعدة اكتشافات غير منتظرة تمس علاقات الجنسية والسن. إن تاريخ غريزتنا الجنسية ينطلق من ولادتنا، كي يمر بعد ذلك عبر سلسلة من المراحل لكل واحدة منها نغمتها الخاصة، ولا تختزل في الخطاطة الساذجة ‘‘ رضيع بريء – فتى بالغ – عجوز بريء ‘‘. إذ عن لغز أعمار الإنسان، التي وضعها الفينيق على أوديب، يقدم فرويد إجابة غير مسبوقة وشخصية. وسوف نترك الآن أمر معرفة إلى أي حد لهذه الإجابة ما يسندها، فتلك مسألة سنعود إليها لاحقا. أما الآن، نكتفي بملاحظة أن المكونين الأثنين لرسالة الفرويدية الأيديولودية – الجنس والسن – قد تم تشبيبهما وإغناؤهما بمحتوى جديد، وهكذا تم منح صدى جديد لما كان مجرد لازمة قديمة مبتذلة.
لازمة قديمة يتم تكرارها في كل الفترات التي يؤدي فيها تقدم الإنسانية إلى إلغاء المجموعات أو الطبقات الإجتماعية التي كانت تصنع التاريخ حتى ذلك الأوان. لازمة فترات الأزمة والإنحطاط. حينما تصل طبقة اجتماعية إلى مرحلة انحلالها ويكون عليها ترك ساحة التاريخ فإن أيديولوجيتها تشرع في تكرار، بكل النغمات، أن الإنسان حيوان في البدء، وعلى ضوء هذا ‘‘ الإكتشاف ‘‘ تنهمك في مراجعة كل قيم العالم والتاريخ على حساب الطرف الثاني لعبارة أرسطو الشهيرة ( الإنسان حيوان إجتماعي ) طرف يتم تجاهله بالتالي كليا. إن أيديولوجيا هذه الفترات تضع مركز ثقلها في كائن عضوي حيوي معزول، فيه تميل الأحداث الأساسية لكل حياة حيوانية – ولادة، ممارسة جنسية وموت – إلى تجريد الأحداث التاريخية من دلالتها الأيديولوجية والتحول إلى نوع من البديل المصطنع للتاريخ.  ومن الإنسان يتم تجريديا عزل الجانب اللاإجتماعي، اللاتاريخي، ومن ذلك جعل القياس والمعيار الأسمى لكل ماهو إجتماعي وتاريخي، كما لو أن في هذه الفترات لم يكن هناك من طموح سوى ترك مناخ تاريخي، لم يعد مرحبا به وبارد، قصد اللجوء إلى الدفء العضوي لحياة حيوانية خالصة.
هكذا كان خلال انحطاط المدن، الدويلات اليونانية، وانحطاط الإمبراطورية الرومانية، وكذلك خلال انهيار نظام الأرستقراطية الإقطاعية التي سبقت الثورة الفرنسية.

– بيد أنه منذ أواخر نهاية القرن 19 شهد هذا النوع من المواضيع عودة قوية في الأيديولوجيا الأوروبية، وأعادت الفلسفة البورجوازية للقرن العشرين الاعتبار للكائن العضوي البيولوجي المجرد. وسواء كانت فلسفة لـ( المعرفة الخالصة – كانط ) لـ( الأنا المبدع – فيخته ) أو لـ( الفكرة والروح المطلق – هيجل ) فإن فلسفة الأزمنة البطولية للبورجوازية لم تكن تنقصها لا الطاقة ولا قدر من الوضوح، وحافظت على ميل ملحوظ إلى التاريخ والتنظيم البورجوازي. بعد ذلك في النصف الثاني من القرن لم تتوقف عن الاضمحلال والجمود إلى أن صارت عبادة عن خطاطات هزيلة وجامدة لفلسفة سكولائية من الورثة الأتباع ( الكانطويون الجدد، الهيجيليون الجدد، الفيختيون الجدد) قبل أن تترك المكان في أيامنا هذه لـ( فلسفة الحياة، التي تتسم بالسلبية والخرف، وتصطبغ بالوان البيولوجيا والسيكولوجيا). حينها اكتسح الأيديولوجيا معجم بيولوجي مأخوذ من الظواهر العضوية وصار يلصق بكل شيء استعارة بيولوجية وظيفتها إحياء شيء جامد داخل المناخ المتجمد للمعرفة الكانطية.

ماهي إذن السمات العميقة لفلسفة زماننا هذا ؟
مهما اختلفوا، ومهما تعارض مفكرون معاصرون من قبيل برغسون، سيميل، جومبرز، النفعيون، شيلير، درييش، وشبينجلر، فهناك ثلاث موضوعات تجمع بينهم:

1- كل منهم يمحور نسقه على الحياة في معناها البيولوجي، جاعلاً من الوحدة العضوية المعزولة أسمى قيمة ومعيار لكل فلسفة.

2- إنهم يشككون في الشعور ويميلون إلى تبخيس دوره في تشكيل الثقافة. ما يفسر نقدهم للتيار الكانطي بصفته فلسفة للشعور.

3- إنهم يسعون جاهدين إلى استبدال كل المقولات الموضوعية ذات الطابع السوسيو-اقتصادي بمقولات تنتمي للسيكولوجيا الذاتي وللبيولوجيا، مطمحهم فهم التاريخ والثقافة يمكن استخلاصه مباشرة من الطبيعة دون حاجة للإقتصاد.

… لم يسبق في أي مكان لهذا الجهد الرامي إلى إخضاع الفلسفة لأوامر ولمناهج علم خاص، أي البيلولوجيا، أن ذهب إلى أبعد الحدود مثلما في المؤلفات الفلسفية لهانس درييش عالم البيولوجيا الإحيائي، الذي بعد أن كان أحد مؤسسي المورفلوجيا التجريبية، يشغل اليوم كرسي الفلسفة والذي يقوم نسقه على مفهوم ‘‘ الغائية الذاتية ‘‘ يشبه جوهر الوحدة والغاية العضويتين، الذي ينظم كل تجليات الكائن العضوي بدءا بوظائفه البيولوجية الدنيا ووصولا إلى نشاط الثقافي الأكثر سموا.

ولنتذكر الضجة المثارة حول سبينجلر ومحاولته – التي طوتها يد النسيان اليوم تقريبا – تطبيق المقولات البيولوجية في تقديم تأويل للتاريخ.

وهكذا نلاحظ أن الأيديولوجيا العميقة للفرويدية ليست معزولة عن كل الرسائل العميقة للفلسفة البورجوازية الحديثة بل تتفق معها. خوف من التاريخ نتعرف عليه بسهولة، الرغبة في اكتشاف عالم يتجاوز كل واقع تاريخي واجتماعي، البحث عن هذا العالم في أعماق ماهو عضوي، وليس في موضع غيره، هذا ما يطغى على كل أنساق الفلسفة الحديثة، ويُظهِر انحلال وانحطاط العالم البورجوازي. وإذا كان (المكون الجنسي) الفرويدي يسم ذروة النزعة البيولوجية الرائجة، فذلك لأنه يجمع ويكثف في خلطة دسمة كل ما له علاقة بالتاريخية المضادة الحديثة.

ومن ثمة كيف ينبغي أن يكون رأينا في رسالة الفلسفة الحديثة؟ بأي حق تدعي ربط مجموع الثقافة بالجذور البيولوجية لنظامنا العضوي؟

إن الكائن البيولوجي المجرد، الفرد البيولوجي، مبتدأ ومنتهى الأيديولوجيا الحديثة، ليست له أية حقيقة بتاتا. وخارج مجتمع ما، وبالتالي، ظروف سوسيو – اقتصادية موضوعية، ليس للإنسان من وجود. إنه رؤية من وحي الذن. وبالنظر إليه باعتباره عضواً في مجموعة اجتماعية، في طبقة وبفضل هذه الطبقة، بذلك فحصب يتمتع الفرد الإنساني بحقيقة تاريخية وبإنتاجية ثقافية. ولدخول التاريخ لا يكفي أن يولد المرء ماديا، شأن الحيوان الذي لا يدخل التاريخ. إذ ينبغي لذلك إذا جاز القول، ولادة ثانية، ولادة اجتماعية. إن المرء لا يولد بصفته كائناً عضوياً بيولوجياً مجرداً. وإنما باعتباره أرستقراطياً أو مزارعاً بورجوازياً أو بروليتارياً، وهذه هي النقطة الرئيسية. ويضاف إلى ذلك كونه يولد فرنسيا أو روسيا، وأخيراً أنه يولد في العام 1800 أو العام 1900. وبفضل هذا التحديد الاجتماعي والتاريخي فقط نتمتع بحقيقتنا ويتحدد محتوى إسهامنا في الحياة وفي الثقافة. وهكذا لا نستطيع الادعاء تجاهل هذه الولادة الثانية. وبرط كل شيء بالمعطيات البيولوجية التي تكيف وجود الكائن العضوي، دون الانخراط في مشروع لا طائل من ورائه ومحكوم عليه بالفشل مسبقاًُ، ليس هناك من فعل للإنسان في كله، ولا من عملية أيديولوجية ملموسة لديه ( فكر، شكل فني، بل حتى محتوى الحلم) يمكن تفسيرها وتأويلها دون أخذ الطورف السوسيو – اتقصادية. بل الأكثر من ذلك، حتى القضايا البيولوجية المحض لا يمكن حلها كليا ما لم نأخذ الوضعية الاجتماعية للنظام العضوي الإنساني قيد الدرس، في شموليتها. إذ ‘‘ إن ماهية الإنسان أبعد من أن تكون تجريداً خالصاً للفرد، بل هي بالفعل حصيلة لكل العلاقات الاجتماعية ‘‘